في المعنى

تطور مفهوم العدالة: من الفلسفة القديمة إلى سياسات الهوية

عمر السعدي
Sign up for my Newsletter
newsletter opt-in
We guarantee 100% privacy. Your information will not be shared.

تطور مفهوم العدالة: من الفلسفة القديمة إلى سياسات الهوية

"العدالة" بالإنكليزية justice وأصلها من الكلمة اللاتينية "iustitia"، وهي بدورها مشتقة من "iustus"، وتعني "الصالح" أو "العادل". وفي اللغة العربية العدالة تعني الإنْصاف أو العَدْلُ، وجمعها أعدَالٌ، وهي إعطاء المرء ما لهُ وأخْذُ ما عليه. إذًا، تشمل كلمة عدالة بشكل عام عددًا من المفاهيم الأساسية، أولها الإنصاف والذي يدل على جودة العدالة، ويتضمن فكرة المعاملة المتساوية لجميع الأفراد بغض النظر عن جنسهم ولونهم وعرقهم وأوضاعهم الاجتماعية. ثانيًا، تأتي الصوابية، أو المشروعية، كونها تنطوي على الالتزام بما هو صحيح وضمان اتخاذ القرارات والإجراءات بناءً على القوانين أو المبادئ المناسبة. الصواب الأخلاقي عنصر معنوي وأخلاقي قوي للعدالة، يتعلق بفكرة القيام بما هو صواب وجيد من الزاوية الأخلاقية. وفي السياق القانوني، تشير العدالة إلى إدارة القانون، حيث يتم اتخاذ القرارات القانونية وفقًا للقانون والمبادئ القانونية، مما يشمل معاقبة المخطئ ومكافأة السلوك الجيد. ومن الناحية المجتمعية، ينطوي الفهم التقليدي للعدالة الاجتماعية على توزيع الثروة والفرص والامتيازات داخل المجتمع، بهدف ضمان معاملة جميع أفراد المجتمع بالتساوي. بدأ التعاطي الفلسفي مع موضوع العدالة مبكرًا مع الفلاسفة الرومان والإغريق؛ فعند أفلاطون، كان جوهر العدالة في الفرد والدولة يكمن في الأداء المتوازن لمكوناتهما الأساسية. هذه المكونات هي العقل، التيموس، والشهية في النفس البشرية، والحكام، الأوصياء والمنتجون في الدولة. يتحقق التوازن عندما يؤدي كل جزء دوره المحدد من دون التدخل في وظائف الأجزاء الأخرى. في حين عرّف أرسطو العدالة بأنها فضيلة شخصية وسمة من سمات الدولة المثالية، ووسّع العدالة السياسية لتشمل سيادة القانون، والسعي لتحقيق الصالح العام، وتوزيع المكافآت والمسؤوليات بشكل عادل بين المستحقين بناءً على جدارتهم. لكنه أشار إلى أن الذين يساهمون بشكل كبير في الصالح العام يحصلون على الجدارة الحقيقية والتميز في المجتمع الذي يُنظّم هرميًّا. في القرنين السابع عشر والثامن عشر، طور مفكرون مثل توماس هوبز، جون لوك، وجان جاك روسو مفهوم العدالة بناءً على نظرية العقد الاجتماعي. هذه النظرية تفترض أن الناس تركوا حالة طبيعية فوضوية لتشكيل مجتمعات منظمة عبر مواثيق تحدد الحقوق والواجبات والسلطات الحكومية. كانت هذه النظرية بمنزلة تحول من وجهات النظر السابقة للعدالة باعتبارها مثالية متأصلة، وتصويرها بدلاً من ذلك على أنها بناء من صنع الإنسان ينشأ من المصلحة الذاتية الفردية والاتفاق العقلاني. ويعتبر الكثيرون نسخة لوك من هذه النظرية بأنها وضعت الأساس لليبرالية السياسية. في القرن التاسع عشر، تعامل الفلاسفة النفعيون الإنجليز، مثل جون ستيوارت ميل، مع تحديات العدالة الاجتماعية المترتبة على التفاوتات الاقتصادية الصارخة في زمن الثورة الصناعية، مستندين في ذلك على مبدأ جيريمي بنثام في تقييم الأفعال بناءً على مساهمتها في السعادة العامة. وسعى ميل لتأطير المبادئ الأساسية للعدالة ضمن سياق نفعي، مع التركيز على احترام الحقوق الفردية وضمان حصول الأفراد على ما يستحقونه. مع ذلك، واجهت النفعية انتقادات تساءلت عما إذا كان مفهوم ميل للعدالة يمكن أن يقطع بشكل نهائي مع هياكل المجتمع التي تبرر استغلال الأقلية من أجل سعادة الأغلبية. وفي القرن العشرين، أدت هذه السجالات إلى تجدد الاهتمام بنظريات العقد الاجتماعي، خاصة من خلال جون راولز وكتابه "نظرية العدالة" (1971). راولز جادل بأن النفعية تهمل الحقوق الفردية ويمكن أن تؤدي إلى اضطهاد الأقليات، مقدماً فكرة "العدالة كإنصاف".

تخيل سيناريو حيث يوجد في مستشفى خمسة مرضى يحتاجون إلى عمليات زرع أعضاء مختلفة، ويأتي شخص سليم لإجراء فحص روتيني. يمكن للمنطق النفعي أن يبرر التضحية بالفرد السليم لإنقاذ المرضى الخمسة لأن هذا يزيد من السعادة العامة. ومع ذلك، فإن هذا يتعارض مع إحساسنا البديهي بالحقوق الفردية والعدالة. وفق راولز، فإن حقوق وكرامة كل فرد لها أهمية قصوى. ولا يمكن تجاوز حق الشخص السليم في الحياة والسلامة الجسدية لصالح الآخرين. لذلك، وفقًا لمبدأ العدالة كإنصاف، فإن فكرة التضحية بفرد سليم من أجل إنقاذ خمسة آخرين ستكون فكرة غير عادلة في الأساس. يقترح جون راولز تجربة فكرية لتحديد المبادئ التي ينبغي أن تحكم مجتمعًا منظمًا جيدًا. يطلب منا تخيل سيناريو افتراضي حيث يُفترض بمجموعة من الأفراد اتخاذ قرارات بشأن قواعد المجتمع الذي سيعيشوان فيه. يقوم هؤلاء الأفراد يقومون بصنع قراراتهم خلف ما يسميه راولز '"حجاب الجهل"'. هذا يعني أنهم لا يعرفون أي شيء عن خصائصهم الفردية، مثل وضعهم الاجتماعي، ثروتهم الاقتصادية، عرقهم، جنسهم، أو حتى قيمهم الشخصية وأهدافهم في الحياة. إنّ" 'حجاب الجهل"' يؤدي دورًا حاسمًا في ضمان الحيادية في صنع القرار؛ حيإذ ث إنّ من دون معرفة الأفراد لمكانتهم في المجتمع، لن يتمكنون من تصميم مبادئ تفيد مصالحهم الخاصة. هذا الجهل المتعمد يحفزهم على التفكير في قواعد تكون عادلة للجميع، من دون النظر إلى وضعهم النهائي في المجتمع. وفق راولز، سيختار هؤلاء الأفراد قواعد على أساس مبدأين رئيسين: الأول هو توفير الحريات الأساسية المتساوية للجميع. والثاني هو تنظيم أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية بطريقة تفيد الأقل حظاً وتضمن الوصول العادل للفرص للجميع. يتميز البحث عن الحقيقة في السياقات الفلسفية بكونه مسعى نحو الفهم والمعرفة الموضوعية، حيث يسعى الفلاسفة للكشف عن الحقائق العامة التي تتخطى التحيزات ووجهات النظر الشخصية. بطريقة مماثلة، يعتبر راولز أن تحقيق العدالة في المؤسسات الاجتماعية يجب أن يكون في المستوى نفسه من الدقة والموضوعية التي نطبقها في سعينا نحو الحقيقة في الفلسفة. وكما أن الحقيقة تتجاوز الآراء الشخصية، فإن العدالة أيضًا يجب أن تتعدى المصالح الفردية والتحيزات، بهدف تحقيق مبدأ العدالة والمساواة في المجتمع. في القرون الأولى من تاريخ أمريكا، كانت قيم الليبرالية والحقوق الفردية محصورة في فئة معينة من السكان، وهذا ظهر جليًا في المعاملة التي تلقاها السكان الأصليون وفي الفصل العنصري الممنهج ضد الأمريكيين من أصل أفريقي. هذا الفصل لم ينتهِ إلا بعد نجاح حركة الحريات المدنية في الخمسينيات والستينيات، التي أدت إلى إنهاء الفصل الرسمي وتشريع قوانين ضد التمييز العنصري. على الرغم من هذا التقدم، كان هناك شعور متزايد بخيبة الأمل بين بعض الناشطين والعلماء حيال نتائج حركة الحقوق المدنية، إذ لاحظوا أن الانتصارات القانونية لم تتحول إلى مساواة اجتماعية واقتصادية كاملة للأمريكيين من أصل أفريقي. ومن هذا التحليل النقدي نشأت النظرية العرقية النقدية (CRT) في السبعينيات والثمانينيات، حيث ساهمت شخصيات مثل ديريك بيل وكيمبرلي كرينشو بأدوار محورية في تطويرها.

النظرية العرقية النقدية: استكشاف تقاطع العرق والقانون والسلطة

تُعد النظرية العرقية النقدية إطارًا لفهم المجتمع والثقافة، مع التركيز بشكل خاص على تفاعلات العرق مع القانون والسلطة. هذه النظرية برزت كحركة في الولايات المتحدة خلال السبعينيات والثمانينيات، بدءًا من مجال الدراسات القانونية ومن ثم توسعت لتشمل مختلف مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية. تركز هذه الحركة بشكل أساسي على العدالة والإنصاف في المجتمع، وتسعى إلى التعامل مع المظالم العنصرية والتمييز. بينما تناقش نظرية راولز مسألة عدم المساواة من منظور توزيع الموارد والفرص، تعمق النظرية العرقية النقدية في استكشاف عدم المساواة العرقية، مسلطة الضوء على جذورها التاريخية والمنهجية. ترتكز نظرية راولز في جذورها على الفلسفة الليبرالية، مؤكدة على أهمية تكافؤ الفرص وإعادة توزيع الموارد بين أفراد المجتمع. في المقابل، تتأثر النظرية العرقية النقدية بشكل كبير بالدراسات القانونية النقدية ومفاهيم ما بعد الحداثة، حيث تركز على كيفية تأثير العرق والعنصرية في تشكل الهياكل والخبرات المجتمعية. راولز يطمح إلى تطوير نظرية عالمية للعدالة تنطبق على كافة أفراد المجتمع، بينما تتخصص النظرية العرقية النقدية في دراسة التجارب والتحديات الفريدة التي تواجه الأقليات العرقية. إطار راولز يتسم بالتجريد والشمولية، يهدف إلى معالجة الإنصاف والعدالة على نطاق واسع، في حين تقدم النظرية العرقية النقدية منهجًا مركزًا على القضايا العنصرية، مستندة في ذلك إلى الروايات التاريخية والوقائع الاجتماعية. تتخذ النظرية العرقية النقدية موقفًا نقديًا مهمًا ضد المفاهيم الليبرالية مثل عمى الألوان، تكافؤ الفرص، والجدارة. هذا الموقف يقوم على أساس أن هذه المبادئ، رغم ظهورها كمبادئ عادلة ومحايدة، قد تسهم في تعزيز عدم المساواة العرقية بشكل غير مقصود. فمفهوم عمى الألوان، الذي يقترح أن الهوية العرقية لا ينبغي أن تؤثر على التفاعلات الاجتماعية والسياسية، يتجاهل واقع العنصرية المنهجية وتأثيراتها على الأفراد من الأقليات. خذ على سبيل المثال، طالبة لاتينية من حي ذي دخل منخفض. من المحتمل أن تتعلم هذه الطالبة في مدرسة عامة تعاني من نقص في الموارد، مثل وجود عدد أقل من المعلمين ذوي الخبرة، فرص محدودة للدورات المتقدمة والأنشطة اللامنهجية. هذا الوضع ليس نادرًا في المدارس الموجودة في المناطق ذات الأغلبية من الأقليات في الولايات المتحدة، مما يعكس التفاوتات الهيكلية في التمويل والموارد التعليمية. تشير النظرية العرقية النقدية إلى أن مفهوم تكافؤ الفرص يفتقد إلى الفعالية أحيانًا، نظرًا لتجاهله عدم المساواة التاريخية والمستمرة التي تعيق قدرة الأقليات على التنافس بمساواة. خذ مثال أحمد، خريج جامعي من أصول مهاجرة، الذي يواجه عالم العمل. بينما القوانين وسياسات الشركات تعلن عن تكافؤ الفرص وتفترض مساواة الجميع في الفرص المتاحة بغض النظر عن الخلفية، يجد أحمد نفسه في واقع مختلف. فخلفيته المهاجرة تجعله يفتقد إلى الرأسمال الثقافي أو الاجتماعي الذي يملكه أقرانه من الأجيال التي ترعرعت في أميركا. هذا يؤثر على فرصه من التواصل إلى الإلمام بالمعايير الضمنية في عملية التقديم على الوظائف وإجراء المقابلات. يعد مايكل ساندل، الفيلسوف السياسي، من أبرز المنتقدين لمفهوم الجدارة، خاصةً فيما يتعلق بآثاره وتأثيره على المجتمع. يوضح ساندل في كتابه 'طغيان الجدارة' 'The Tyranny of Merit' أن مبدأ الجدارة يخلق وهم العدالة، بينما غالبًا ما يتجاهل المزايا والامتيازات النظامية التي تتمتع بها بعض المجموعات. يؤكد على أن هذا المبدأ يتجاهل بشكل خاص تحديات الأقليات العرقية التي لا تتمتع بالبدايات نفسها من حيث الموارد والفرص والدعم الاجتماعي. يرى ساندل أن الجدارة تساهم في إنشاء مجتمع يعزو النجاح إلى الفضل الفردي من دون الاعتراف بدور الحظ أو الظروف. هذا المنظور يؤدي إلى عدم التعاطف والتفهم مع من يكافحون، ويتم إلقاء اللوم عليهم في حالات عدم النجاح. على سبيل المثال، الطالبة من أصول لاتينية التي تواجه تحديات في التعليم وسوق العمل، تجد صعوبات لا يمكن تجاوزها بمجرد الجهد الشخصي وحده؛ فهي تواجه أيضًا نتيجة لعدم المساواة المنهجية وخلفيتها كمواطنة من أصول مهاجرة. وهنا يسلط ساندل الضوء على أن منظومة الجدارة قد تتجاهل تعقيدات الخلفيات العرقية والاجتماعية والاقتصادية. استخدم علماء مثل كيمبرلي كرينشو وديريك بيل دراسات الحالة والتحليلات القانونية لإبراز كيف يمكن للقوانين والسياسات التي تظهر بمظهر محايد عرقياً أن تؤثر بشكل مختلف على مختلف المجموعات العرقية. على سبيل المثال، أظهرت كرينشو من خلال دراساتها حول التقاطعية كيف يمكن لهذه السياسات أن تتجاهل التمييز الخاص الذي تواجهه النساء السود. كما يُعد فهم السياق التاريخي للقضايا العنصرية جزءًا حيويًا في النظرية العرقية النقدية، حيث إن الإرث التاريخي للفصل العنصري والتمييز في الولايات المتحدة يؤثر بشكل مستمر على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأمريكيين من أصل أفريقي. يتحدى هذا السياق التاريخي الفكرة القائلة بأن عدم المساواة الحالية هي نتيجة للاختيارات الفردية أو الجدارة فحسب. من ناحية أخرى، يعتبر ديريك بيل أن جهود إلغاء الفصل العنصري كانت غير فعالة وأن العنصرية في أمريكا متجذرة ومدمجة في نسيج المجتمع. وجادل بيل بأن حركة الحقوق المدنية، على الرغم من تركيزها على التكامل والمبادئ العالمية، لم تحقق تغييرًا حقيقيًا، حيث ظلت عدم المساواة العرقية مستمرة.

التحول الأيديولوجي في السياسة اليسارية: من الصراع الطبقي إلى الثقافة والهوية

بعد سقوط جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي، حدث تحول إيديولوجي داخل السياسة اليسارية من التركيز على الصراع الطبقي الذيتي هيمنة على الفكر اليساري، إلى التركيز على الثقافة. وكان هذا التحول قد تأثر بالاهتمام المتزايد بقضايا مثل الحركة النسوية ومناهضة العنصرية وحقوق المثليين والتحرر منذ الستينيات. لكن مع تضاؤل أيديولوجيات الصراع الطبقي بعد عام 1989، اكتسبت هذه الحركات القائمة على الهوية مكانة بارزة. وأثر هذا التحول الأيديولوجي على التخصصات الأكاديمية؛ فبدأت العلوم الإنسانية والاجتماعية تركز بشكل أكبر على تجارب الفئات المهمشة. وأدى ذلك إلى إنشاء أقسام أكاديمية جديدة مثل الدراسات الأميركية الأفريقية، ودراسات الجندر، وغيرها، وعلى الرغم من كون لكل منها وجهات نظر مختلفة، لكنها متحدة في تركيزها على الهوية الاجتماعية. وعلى الرغم من الاختلافات، هناك عناصر أساسية مشتركة بينها، متأثرةً بما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار والنظرية العرقية النقدية، مهدت لانبثاق وهيمنة براديم paradigm جديد (نموذج إرشادي، نظارة عقل). ويتميز هذا البراديم، متحديًا المفاهيم التقليدية للديمقراطية الليبرالية والبحث العلمي، بالتركيز على الخطاب لتحقيق غايات سياسية والتشكك حول الحقيقة الموضوعية، والتركيز على "الهويات المسندة" ascriptive identities ، و و"تصنيفات الهوية الجوهرية" essentialist identity categories، وتفضيل السياسات القائمة على هوية المجموعة. لقد اكتسب نهج استخدام تحليل الخطاب لتحقيق أهداف سياسية اهتمامًا كبيرًا بين الأكاديميين والناشطين. ويتضمن هذا النهج، الذي أسس له إدوارد سعيد في "الاستشراق،" التدقيق في كيفية تشكيل السرود والخطابات السائدة للهياكل ووجهات النظر المجتمعية. الهدف هو استخدام هذا التحليل لإحداث تغيير مجتمعي من خلال إعادة تعريف كيفية فهمنا للعالم والحديث عنه. حولت هذه الطريقة تركيزها إلى عناصر الثقافة اليومية التي كانت تعتبر في السابق تافهة ولا تستحق عناء الالتفات إليها، مثل المسلسلات الكوميدية ومقاطع تيك توك، والتي تم تحليلها في مجالات مثل الدراسات الإعلامية والأدب المقارن. الهدف هو كشف وانتقاد التحيزات الخفية داخل هذه المصنوعات الثقافية لدعم الفئات المهمشة في مقاومة الاضطهاد. وقد أثر هذا الاتجاه بشكل عميق على النشاط السياسي، وخاصة في الديمقراطيات المتقدمة، حيث يتم بذل جهود مكثفة لتغيير الخطاب العام. وفي الولايات المتحدة، يمكن ملاحظة ذلك في تبني مسميات هوية جديدة مثل "الأشخاص الملونونين،" والمؤسسات مثل جامعة ستانفورد التي تدافع ضد استخدام المصطلحات التي تعتبرها تمييزية أو غير موائمة ثقافيًا. وبالمثل، في ألمانيا، يتحدى الناشطون الاستخدام التقليدي للغة الجندرية، ويروجون لممارسات لغوية أكثر شمولاً مثل "نجمة الجندر" ووقفات في الكلام للاعتراف بالأفراد اللاثنائيين. تعكس هذه الجهود إيمانًا أوسع بقوة إعادة الوصف اللفظي كأداة للتغيير السياسي والاجتماعي. في كتابه 'فخ الهوية: قصة الأفكار والسلطة في عصرنا'، يقدم ياشا مونك مفهوم 'توليفة الهوية'، الذي يشير إلى الفهم المعاصر للهوية الذي تشكلت بتأثير شكوك ما بعد الحداثة. يدرك أتباع هذا المفهوم أن الجوانب المتعددة في عالمنا، بما في ذلك المفاهيم الكبيرة مثل الملكية الخاصة أو الدولة الوطنية، وكذلك عناصر الهوية مثل العرق والجنس والتوجه الجنسي، هي في الأساس تشييدات اجتماعية. ويجادلون بأن هذه العناصر ليست متأصلة بل هي نتاج المعايير والمواثيق الإنسانية وقابلة للتغيير. يطرح هذا المنظور معضلة معقدة؛ فمن جهة يتم الاعتراف بالتشييد الاجتماعي للهويات، ومن جهة أخرى، هناك حث على أفراد المجموعات المهمشة لتبني هذه الهويات المشيدة من أجل التعبئة السياسية والاجتماعية. يرد مونك على هذا التناقض من خلال عدسة ما يُعرف بالجوهرانية الإستراتيجية، التي نادت بها الناقدة الهندية والنسوية غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك. ويتمثل هذا النهج في التعامل مع الهويات المشيدة كحقيقة موضوعية استراتيجيًا لتحقيق التعبئة السياسية والاجتماعية. ويظهر التحول من النظرية إلى التطبيق في مختلف الخطابات الأكاديمية والاجتماعية. فعلى الرغم من الاعتراف بطبيعة الهوية المشيدة، غالبًا ما يتم مناقشة فئات الهوية مثل العرق والجنس كحقائق موضوعية. على سبيل المثال، بينما سلط الفكر النسوي المبكر الضوء على الطبيعة الاجتماعية للمعايير المتعلقة بالجنسين، تتعامل المناقشات المعاصرة غالبًا مع الهوية الجنسية كسمة طبيعية متأصلة. ويوضح مونك أن مفهوم 'توليفة الهوية' يلخص هذا النهج الدقيق في سياسات الهوية الحديثة، محاولًا التوفيق بين الفهم النظري للتشييدات الاجتماعية والضرورة العملية للاعتراف بها واستخدامها للتمكين والمقاومة. ويشير مونك إلى أن هذه 'توليفة الهوية' لها تأثير واسع في المجتمع الأمريكي، وبالأخص في انتشارها من الجامعات الأكاديمية إلى الوعي العام. ويلاحظ أنه حتى أنصار هذا النهج، مثل كيمبرلي كرينشو والمدافعين عن نظرية العرق النقدية، كانوا متشككين في تأثيرها الأوسع. فقد عبرت كرينشو عن مخاوفها من أن رئاسة باراك أوباما قد تضعف الاهتمام العام بالنقاشات النقدية حول العرق. ومع ذلك، كما يشير مونك، شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تحولًا كبيرًا حيث بدأت مفاهيم، مثل الامتياز الأبيض والعنصرية البنوية، التي كانت مقتصرة في السابق على الخطاب الأكاديمي، تتغلغل في وسائل الإعلام الرئيسية والخطاب السياسي. واستخدمت صحف ومجلات بارزة مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست بشكل متزايد المصطلحات المرتبطة بتوليفة الهوية. وبدأ اتحاد الحريات المدنية الأميركي (ACLU) والحملات السياسية الديمقراطية في تبني هذه المواضيع. وهذا يبرز تغييرًا عميقًا في الخطاب العام. يرجع ياشا مونك هذا التحول في الخطاب حول الهوية إلى مجموعة من العوامل التكنولوجية، الاجتماعية، والسياسية. لعبت منصات السوشيال ميديا دورًا رئيسيًا في هذا الصدد، خاصةً تمبلر، الذي كان محوريًا في توسيع وتنويع المناقشات المتعلقة بالهوية. تمبلر، ببنيته الفريدة، أتاح استكشافات واسعة وعميقة حول موضوعات الجنس، الجندر، والعرق، مما ساهم في خلق وتعميم مصطلحات ومفاهيم جديدة في هذه المجالات. إلى جانب تمبلر، ساهمت منصات أخرى مثل تويتر وفيسبوك أيضًا بشكل كبير في تطور الخطاب العام حول الهوية. وهذا يبرز كيف أن التكنولوجيا، وبالأخص وسائل الإعلام الاجتماعية، لعبت دورًا مهمًا في تشكيل النقاشات الحديثة حول الهوية والتأثير على الوعي العام بهذه القضايا. يعزو ياشا مونك انتشار توليفة الهوية إلى تأثير جيل جديد من خريجي الجامعات الذين دخلوا إلى سوق العمل. هؤلاء الأفراد، المتأثرون بالنقاشات الأكاديمية وتأثير السوشيال ميديا، بدأوا في دمج هذه المفاهيم في العمل داخل المؤسسات الكبرى، سواء كانت شركات، منظمات غير ربحية، أو مكاتب حكومية. مع ولاية دونالد ترامب الرئاسية، لاحظ مونك تحولًا في حركة التقدميين، الذين شعروا بالعجز أمام التهديدات التي يتصورونها من البيت الأبيض، وبدأوا في توجيه إحباطاتهم نحو الداخل. هذا التركيز الداخلي أدى إلى ارتفاع مستويات عدم التسامح مع المعارضة داخل الدوائر التقدمية، خاصةً تجاه أولئك الذين لم يلتزموا بشكل كامل بمعايير توليفة الهوية. في البداية، ظهر هذا الاتجاه بشكل عفوي، حيث تم اعتبار المخالفة العلنية كعائق أمام المشاعر المناهضة لترامب. وقد أدى هذا إلى خلق بيئة اختار فيها العديد من التقدميين الصمت بدلًا من التعبير عن آرائهم علنًا، مما زاد من تكلفة المعارضة في هذه الدوائر. يشير ياشا مونك إلى أن الديناميكية الداخلية داخل الحركة التقدمية تعززت أكثر بالأطر الفكرية التي قدمها إبراهيم إكس كيندي في كتابه 'كيف تكون مناهضًا للعنصرية' وروبن دي أنجيلو في 'هشاشة بيضاء'. يعتبر كيندي العالم منقسمًا إلى عنصريين ومناهضين للعنصرية، ويصف كل من لا يتبع تعريفه لمناهضة العنصرية بالعنصري. هذا النهج يكمم الأصوات المعارضة بتصنيفهم كمنحرفين أخلاقيًا. ومن جانبها، تقدم دي أنجيلو في مفهوم 'الهشاشة البيضاء' فكرة أن الإنكار من جانب الأشخاص البيض لعنصريتهم المتأصلة هو دليل على هشاشتهم. كسبت هذه الأفكار شعبية واسعة، خصوصًا بعد مقتل جورج فلويد في عام 2020، الذي أثار احتجاجات ضد الظلم العنصري على نطاق واسع. وارتفعت مبيعات كتب كيندي ودي أنجيلو بشكل كبير، وأصبحت أفكارهما راسخة في الخطاب الإعلامي والسياسي. وقدم إطار عملهما نظرية 'غير قابلة للدحض' تجعل من الاختلاف وصمة عار، مما زاد من تكلفة المعارضة داخل الحركات التقدمية. على الرغم من الأهمية الكبيرة لتسليط الضوء على العنصرية التاريخية والمستمرة، يُنتقد البراديم الجديد لاعتماده المفرط على الحكايات الشخصية كدليل على العنصرية الممنهجة. هذه الروايات، بالرغم من قوتها وعكسها لواقع الحياة، لا تُعبر دائمًا عن القضايا الممنهجة بشكل شامل. ومع ذلك، تلعب التجارب الشخصية دورًا مهمًا في إبراز جوانب العنصرية التي قد لا تكون واضحة في البيانات المنهجية أو التحليل التاريخي. من جهة أخرى، قد يؤدي التركيز المفرط على الأحداث التاريخية إلى تجاهل أو إنكار التقدم الذي تم إحرازه في معالجة العنصرية. من المهم التفريق بين العنصرية الممنهجة، المتجذرة في الهياكل المجتمعية، والعنصرية الفردية، المتعلقة بالمعتقدات والأفعال الشخصية. ليس كل الأشخاص يحملون وجهات نظر عنصرية، والعديد منهم يعملون بنشاط ضد العنصرية. مثالًا على ذلك، خلال حركة الحقوق المدنية، كان هناك العديد من الناشطين البيض، مثل الحلفاء في رحلات الحرية، الذين ساهموا بشكل ملحوظ في مكافحة الفصل العنصري وتعزيز العدالة الاجتماعية.

الفلسطينيين كفئة مهمشة إلى جانب السود ومجتمع الميم

تؤثر التصورات المتغيرة بين الأجيال الشابة في الغرب، المتأثرة بالأيديولوجيات السياسية والثقافية المعاصرة، على تشكيل التحالفات التقليدية ومواقف السياسة الخارجية. مثالًا على ذلك، الدعم الأمريكي لإسرائيل، الذي كان تاريخيًا قويًا، يشهد الآن تحولًا بين الأجيال، حيث يُظهر الأمريكيون الأصغر سنًا دعمًا أقل لإسرائيل مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا. يُعزى هذا التحول إلى ظهور أيديولوجيات جديدة تركز على التفاوتات في القوة وتنظر إلى إسرائيل على أنها دولة مضطهدة. أصبح الدعم لإسرائيل أكثر حزبية، مع تزايد دعم الجمهوريين مقارنة بالديمقراطيين. التضامن العالمي مع الفلسطينيين له تاريخ طويل، وفي أماكن مثل أستراليا، أصبحت حركة التضامن الفلسطينية شعبية وتقودها شبكات التضامن الفلسطيني والشتات. تُعتبر هذه الحركة أكثر يسارية ومناهضة للإمبريالية، وتُربط قضية فلسطين بنضالات أخرى ضد العنف الاستعماري الاستيطاني، مثل نضالات السكان الأصليين في دول مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. ويتم تعزيز هذا الارتباط من خلال منصات السوشيال ميديا، حيث يربط منشئو المحتوى النضال الفلسطيني بوجهات نظر أوسع مناهضة للإمبريالية والاستعمار. وفي الستينيات، كان اليسار الجديد في الولايات المتحدة، المعروف بنشاطه المناهض للحرب والحقوق المدنية، منقسمًا بشدة حول الصراع العربي الإسرائيلي. وبينما دعم بعض الأعضاء، متأثرين بالأممية الثورية، القضية الفلسطينية كمثال للنضال ضد الإمبريالية، كان آخرون، وخاصة بين صفوف المجموعة اليهودية الوازنة، مترددين في النظر إلى إسرائيل ككيان إمبريالي. وأصبح هذا الصراع الداخلي حول الشرق الأوسط نقطة خلاف رئيسية داخل الحركة، مما يعكس التفاعل المعقد بين الأيديولوجية السياسية والهوية العرقية في تشكيل وجهات النظر حول الصراعات الدولية. وهناك جدل اليوم داخل المجتمع اليهودي في أميركا حول التوافق مع الأيديولوجيات التقدمية أو "المستيقظة" "woke." والتي تميل، متأثرة بفكر ما بعد الحداثة، إلى رؤية العالم من خلال عدسة التفاوت في القوة والتفوق الأخلاقي للمضطهدين. خاصة في سياق دعم فلسطين. ويجادل البعض بأن تركيز الحركة التقدمية على العدل، بدلاً من المساواة، ورؤيتها للفوارق المجتمعية يمكن أن تهمش عن غير قصد النجاح اليهودي في أمريكا وتضع اليهود كمتواطئين في القمع بسبب الامتيازات المتصورة. ويشير هذا المنظور إلى أن النظرة الثنائية للحركة التقدمية بين المعتدي والضحية غالبا ما تصور الفلسطينيين كضحايا دائمين والإسرائيليين كمعتدين، من دون ترك مساحة للفروق الدقيقة. لكن رغم ذلك فإن ثمة تحول في الكيفية التي تنظر بها التركيبة السكانية المختلفة، بما في ذلك الشباب اليهود والشباب الإنجيليين، إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ويُعزى هذا التحول إلى التأثير الأوسع للأيديولوجية "المستيقظة"، التي تؤكد على إدراك منظومات القمع ومقاومتها. ويساهم هذا التأثير الأيديولوجي بإعادة تشكيل التصورات عن السلطة والامتياز والقمع. إن التوتر في صفوف "اليسار التقدمي" وردود الفعل على الصراع بين إسرائيل وحماس بعد السابع من أكتوبر كان واضحًا. وأحد الأمثلة البارزة هو أليكس أولشونسكي، الذي، على الرغم من دعمه سابقًا للقضايا التقدمية ونظرية العرق النقدية، أعرب عن خيبة أمله تجاه ثقافة "الاستيقاظ" بسبب استجابتها للصراع. وكذلك مثال الممثلة الكوميدية إيمي شومر التي تواجه ردود فعل عنيفة بسبب منشوراتها التي تنتقد حماس. تُظهر هذه الأحداث إعادة تقييم أوسع لمثل هذه الأيدلوجيات، خاصة عندما تتقاطع مع قضايا دولية معقدة، مما يؤدي إلى التشكيك في مبادئها وعواقب تطبيقها في سياقات سياسية واجتماعية متنوعة. والذي بدوره قد يتنعكس سلبًا على المهمشين والمظلوميات المتبناة من قبل هذه الأيدلوجيات بما فيهم الفلسطينيون.

If you want to read more you need to log in. Not a member of this channel, yet? Then register here.

Omar's Book Reviews linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram