في المعنى

حياة تستحق أن نعيشها

حلقة ٣ كتاب «تسامي: العلم الجديد لتحقيق الذّات» لعالم النّفس سكوت باري كوفمان
Sign up for my Newsletter
We guarantee 100% privacy. Your information will not be shared.

كان ماسلو شغوفًا بـ «علم نفس الكينونة»

في حلقة اليوم نتحدّث عن كتاب نشر حديثًا لعالم النّفس سكوت باري كوفمان بعنوان « تسامي: العلم الجديد لتحقيق الذّات» Transcend: The New Science of Self-Actualization والكتاب هو إعادة قراءة عمل "إبراهام ماسلو" الذي لم يكن مكتملًا عند وفاة "ماسلو" عام 1970. يدمج "كوفمان" في كتابه مجموعة واسعة من وجهات النظر، بما في ذلك أبحاث من علم النفس التطوريّ وعلم النفس الاجتماعيّ وعلم نفس الشخصيّة وعلم الأعصاب.

في عام 1941 وفي أحد الأيّام الّتي تلت هجوم بيرل هاربور كتب ماسلو: «كنت أقود سيّارتي إلى المنزل وتوقّفت بسبب مرور موكب رثّ مثير للشفقة…. وبينما كنت أشاهد بدأت الدّموع تنهمر على وجهي، شعرت أنّنا لم نفهم- هتلر ولا الألمان ولا ستالين ولا الشيوعيّين- لم نفهم أيًّا منهم، وشعرت أنّه إذا ما استطعنا أن نفهم، فيمكننا إحراز تقدم. جاءتني رؤية لطاولة سلام مع أشخاص يجلسون حولها، ويتحدّثون عن الطبيعة البشريّّة والكراهيّة والحرب والسلام والأخوّة. كنت أكبر سنًّا من أن ألتحق بالجيش وأدركت في تلك اللحظة، أنّ عليّ تكريس بقيّة حياتي لاكتشاف علم نفس طاولة السلام، لقد غيّرت تلك اللّحظة حياتي كلّها.»

يقول كوفمان إنّ ماسلو كان شغوفًا بالحاجة لما يسميه «علم نفس الكينونة» الحقل الذي يتضمّن تحريًًا منهجيًّا عن النهايات بدلًا من الوسائل- الخبرات النهائيّة ( مثل الدّهشة والضّحك) والقيم النهائيّة ( مثل الجمال والحقيقة والعدالة) والإدراكات النهائيّة ( مثل الفهم الفعّال للواقع)- والتعامل مع الناس على أنهم غايات لأنفسهم وليسوا وسائل لغايات، وهو ما أشار إليه ماسلوا بـ «حب الكينونة» Being love or B love. يقول كوفمان إنّ دعوة ماسلو إلى «علم نفس الكينونة» والذي يشير إليه أيضًا «بعلم النفس الإيجابي» هي ردٌّ على علم النفس الذي ركّز على « عدم الامتلاك بدلًا من الامتلاك، وعلى السّعي بدلًا من التّحقيق، والاحباط بدلًا من الإشباع، البحث عن الفرح بدلًا من الفرح، ومحاولة الوصول هناك بدلًا من الوجود هناك.»

لم يكن ماسلو وحيدًا، فبين عام 1930 وعام 1970 كانت هناك مجموعة من المفكرين الذين تبنّوا تفكيرًا مشابهًا، بمن فيهم ألفرد أدلر وفيكتور فرانكل وإريك فروم وكارل روجرز وغيرهم، واتفق هؤلاء على محدوديّة علم النفس التّجريبي، و السلوكيّة والتّحليل النفسي الفرويديّ في ذلك الوقت. وشعروا بأنّ هذه المدارس لم تنصف الفرد ككل، وأهملت إمكانات البشريّة الهائلة الإبداعيّة والروحانيّة والإنسانيّة، وأشاروا لأنفسهم باسم «القوة الثالثة» وفي نهاية المطاف باتوا يعرفون باسم «علماء النفس الإنسانيين» وتمّ تأسيس هذا الحقل رسميًّا عندما أطلق ماسلو وأنتوني سوتش مجلّة علم النفس الإنسانيّ عام 1961.

«التسلسل الهرمي» عند ماسلو

في إطار علم النفس الإنساني، تُعتبر الشخصيّة الصحيّة شخصيّة تتحرّك باستمرار نحو الحريّة والمسؤوليّة والوعي الذاتيّ والمعنى والإلتزام والنمو الشخصيّ والنضج والتكامل والتغيير، بدلًا من الشخصيّة الّتي تسعى في الغالب للحصول على المكانة والإنجاز... وحتّى السعادة.

غالبًا ما يتم تقديم نظريّة ماسلو للاحتياجات على أنّها سلسلة من القفزات، كما لو أننا بمجرد أن نلبي مجموعة معينة من الاحتياجات، نكون قد انتهينا إلى الأبد من الاهتمام بتلك الاحتياجات. يقول كوفمان «الحياة ليست لعبة فيديو ننتقل فيها من مرحلة إلى أخرى» ويعدُّ ذلك تحريفًا صارخًا لنظرية ماسلو وروح عمله ككل. حيث أكّد ماسلو أننا دائمًا في حالة من الصّيرورة وأنّ الجوهر الداخلي للفرد يتكّون من الإمكانات… الإمكانات فحسب.. وليس الإنجازات النهائيّة. وأوضح أنّ النضج البشريّ هو عمليّة مستمرّة وأنّ النمو ليس فجائيًا، ولكنه غالبًا يكون «ديناميكيّة خطوة للأمام وخطوتين للخلف» وحسب ماسلو، نحن دائمًا نختار، أو نرغب، باختيار النمو لكنّ استجابة الخوف لها دائمًا اليد الطولى، ولكنّنا في حاجة لأن نستمر في اختيار النمو.

يقول كوفمان إنّ أحد الجوانب الّتي لم تناقش بما يكفي في نظرية ماسلو؛ هو أنّ التسلسل الهرمي للاحتياجات يعمل كإطار تنظيمي لـ حالات ذهنية مختلفة، بما فيها كيفيّة رؤيتنا للعالم والآخرين. جادل ماسلو بأنّه في حالة الحرمان، ترتبط كل حاجة بنَظْرتها العالميّة المميّزة وفلسفتها ونَظْرتها إلى المستقبل. …. بالنسبة لإنسان يعاني من الجوع المزمن يمكنه أن يُعرّف المدينة الفاضلة أو اليوتوبيا، وببساطة، بأنّها مكان يوجد فيه الكثير من الطعام، وغالبًا ما يميل هذا الإنسان إلى الاعتقاد، بأنّه إذا ضمن الطعام لبقيّة حياته سيكون سعيدًا تمامًا ولن يرغب في أي شيء آخر بعدها. الحياة ذاتها ستتعرّف وتتحدّد بالطعام، وسيعرّف ويحدّد كل ما عداه بأنّه غير مهم…. الحريّة والحب والشعور المجتمعي والاحترام والفلسفة …..والبودكاست… كلّها قد تتنحّى جانبًا كأشياء لا فائدة ترتجى منها…. لأنها وببساطة تفشل في ملء المعدة.

معظم الناس على دراية بـ «التسلسل الهرمي» عند ماسلو مع حاجة «تحقيق الذّات» في قمة الهرم، وغالبًا ما تركّز العروض التقديميّة لنظريّة ماسلو على الهرم الشبيه بالمسرح، على الرغم من أنّ ماسلو لم ينشئ هرمًا في كتاباته لتمثيل التسلسل الهرمي للاحتياجات، وكشفت دراسة عن أنّ أول من أنشأ «هرم ماسلو» كان مستشارًا إداريًّا في الستينيّات. ….. ويفسر البعض مبدأ تحقيق الذّات عند ماسلو على أنّه فردانية وأنانية. لكن نظرة أعمق، يقول كوفمان، على كتابات ماسلو المنشورة وغير المنشورة تروي قصّة مختلفة.

رتّب ماسلو الاحتياجات البشريّة في تسلسل هرميّ متكامل، وليس في ثنائيات أو تفرّعات، فـ الاحتياجات ترتكز على بعضها، وهذا يعني أنّ عملية الانحدار إلى الاحتياجات الأدنى تبقى احتمالًا دائمًا. وهنا لا ينبغي التعاطي معها على أنّها مجرّد حالة مرَضيّة أو غير صحيّة، ولكن على أنها ضروريّة لسلامة الكائن الحي برمّته، وشرط أساسي لوجود وعمل الاحتياجات الأعلى. نحن نعود باستمرار إلى احتياجاتنا الأساسيّة لاكتساب القوّة والتعلم من الصعوبات الّتي نواجهها، والعمل على تحقيق تكامل عظيم لـ كينونتنا ككل.

ليس ثمة الكثير من الفائدة من«هرم عالي الكعب» و سنحتاج إلى مركب شراعي.

جادل ماسلو بأنّه يمكن تجميع الاحتياجات في فئتين رئيستين، وينبغي دمجها لتحقيق التكامل، فئة النقص وفئة النمو. أشار ماسلو لاحتياجات النقص بالاحتياجات D أو Deficiency needs وهذه الاحتياجات مدفوعة بعدم الرضى، سواء كان ذلك ناجمًا عن نقص في الغذاء أو السلامة أو الألفة أو الانتماء أو احترام الذّات. إنّ عالم D من الوجود يلوّن كلّ تصوراتنا ويشوّه الواقع، ويجعل مطالب كينونة الشخص ككل تتمركّز حول مطالب «أطعمني، أحبّني، احترمني» وكلما نقصت هذه الحاجات أكثر، زاد تشويه الواقع ليناسب توقعاتنا، ويصبح تعاملنا مع الآخرين وفقًا لفائدتهم في مساعدتنا على تلبية احتياجاتنا الأكثر نقصًا.

في عالم D من المرجّح أن نستخدم مجموعة متنوعّة من الآليات الدفاعيّة لحماية أنفسنا من الألم الذي يسببه وجود النقص في حياتنا. وإنّ دفاعاتنا «حكيمة»... بمعنى يمكنها مساعدتنا على تجنّب الألم الذي لا يطاق…. ومع ذلك، جادل ماسلو بأنّ احتياجات النمو، مثل تحقيق الذّات والتّسامي، لها نوع مختلف تمامًا من الحكمة المرتبطة بها؛ وفي التمييز بين «الحكمة الدفاعيّة» و«حكمة النمو» جادل ماسلو بأنّ عالم الكينونة Being realm ( أو عالم B اختصارًا) يشبه استبدال عدسة مغبرّة بأخرى صافية. وبدلًا من أن تكون مدفوعًا بالمخاوف والقلق والشكوك، يكون المرء أكثر قبولًا وحبًّا لنفسه وللآخرين. عند رؤية الواقع بعدسة أكثر وضوحًا، فإن حكمة النمو تتمحور حول «ما هي الخيارات الّتي ستقود إلى مزيد من التكامل والكمال؟ بدلًا من كيف يمكنني الدفاع عن نفسي حتّى أشعر بالسلام والأمان؟»

وبشكل لافت للنظر، يتماشى تركيز ماسلو على العلاقة الجدليّة للأمان والنّمو مع البحث الحاليّ والتّنظير في مجالات علم نفس الشخصيّة وعلم التّحكم الآلي والذكاء الاصطناعي. حيث ثمّة إجماع عام على أنّ الأداء الأمثل للنظام برمّته (سواء البشر أو الرئيسيات أو الآلات) يتطلب كلًّا من استقرار السّعي وراء الهدف في مواجهة الإلهاء والاضطراب، و المرونة للتكيّف واستكشاف البيئة.

يقول الكتاب إنّ هرم الستّينيات حكى قصّة لم يقصد ماسلو أن يرويها قط، قصة إنجاز واتقان كل مرحلة بمرحلتها حتّى نفوز بلعبة الحياة. لكنّ هذا ليس بالتأكيد روح تحقيق الذّات الّتي أكّد عليها علماء النفس الإنسانيون. الشرط البشري ليس منافسة، إنّه تجرُبة، الحياة ليست رحلة إلى القمة، يقول كوفمان، بل رحلة السّفر عبر المحيط الأزرق الشاسع المليء بالفرص الجديدة للمعنى والاكتشاف، وأيضًا، بالخطر وعدم اليقين. في هذا البحر المتلاطم الأمواج ليس ثمة الكثير من الفائدة من«هرم عالي الكعب» و سنحتاج إلى مركب شراعي.
ونحن نبحر في مغامرة الحياة نادرًا ما يكون الإبحار واضحًا، ونادرًا ما يكون ارتفاع الأمواج كما نشتهي. إنّ كل لوح من ألواح القارب يوفّر لنا مقدارًا من الحماية من الأمواج ومن دونه سوف تستنزفنا محاولة الطفو فوق الماء، وكلما كان القارب أكبر تحمّل الأقوى من العواصف. وفي الحياة أيضًا، كانت تقوية الروابط مع الآخرين ومشاعر الاحترام والجدارة تسمح لنا بالتّغلب على العواصف. ….. لكن لا قيمة لمركب بلا شراع يقول كوفمان، فهذا المركب قد يحمينا من البلل لكنّه لن يوصلنا إلى أيّ ميناء. بينما يمكّننا كل ارتفاع للشراع من القبض على المزيد من الرياح ومساعدتنا على الاكتشاف والتّكيف مع بيئتنا.

ويجادل كوفمان بأننا لا «نتسلّق» المركب الشراعي كما نتسلّق الهرم أو الجبل، في القارب الشراعيّ نفتح شراعنا للريح، تمامًا كما لو أننا نسقط دفاعاتنا عندما نشعر بما يكفي من الأمان، وفي هذا ديناميكيّة مستمرّة، يمكننا أن نكون منفتحين وعفويين لوهلة، وفي الوهلة التالية يمكن لحجم كاف من الخطر أن يجعلنا نشعر بالتّهديد ومن ثمّ الاستعداد للعاصفة عن طريق الانغلاق على العالم. ومع هذا... كلما استمرينا بالانفتاح على العالم، تقدم قاربنا إلى الأمام وزادت الفائدة الّتي نجنيها من الأشخاص والفرص حولنا.

وإذا كان المرء محظوظًا يستطيع معايشة لحظات النشوة في ذروة الخبرة، فعندما يقبض على الرياح الّتي تشتهيها وجهته، لن ينسى فحسب مخاوفه مؤقتًا، فهو عندما يشقّ طريقه عبر المحيط ينمو أيضًا ويرفع المدّ للقوارب الأخرى. يقول كوفمان المركب الشراعي ليس ذروة أو قمّة، هو مركبة كاملة تساعدنا على اكتشاف العالم والأشخاص حولنا والنمو والتّسامي.

الخلاص الشّخصيّ وما هو جيّد للفرد لايمكن فهمه حقًّا بمعزل عن الآخرين

في مقال غير منشور من عام 1966 بعنوان « نقد نظريّة تحقيق الذّات» كتب ماسلو «إنّ تحقيق الذّات ليس كافيًا. إنّ الخلاص الشّخصيّ وما هو جيّد للفرد لايمكن فهمه حقًّا بمعزل عن الآخرين …. يجب العمل على ما هو خير للآخرين كما أنّه خير للذات… ومن الواضح أنّ علم النفس الفرديّ البحت، من دون الإشارة إلى الأشخاص الآخرين والظروف الاجتماعيّة، لا يكفي.»

ثم أشار إلى نوع من الأشخاص الذين يحققون الذّات ولكنهم «متسامون» ويعتبر ماسلو أنّ النظام القيميّ لهؤلاء يعني ضمنيًا مساعدة الإنسانيّة أو مساعدة الآخرين، إنّ نظامهم القيمي يجعلهم ببساطة كائنات أفضل للآخرين، ويمكّنهم في النهاية من التّسامي بـ «الأنا».

ميّز ماسلو بين «حب الحاجة» و «حب اللّا حاجة» وأشار إلى الأول بالحب D (حب النقص) وإلى الثاني بالحبّ B (الحب لكينونة شخص آخر) وفي حين يمكن إشباع الحب D ، فإنّ مفهوم الإشباع بالكامل يكاد لا ينطبق على الحب B. فأولئك الذين يحبون من موقع الحب B، يقول ماسلو، «لايحتاجون تلقي الحب إلا في جرعات صغيرة وثابتة لأغراض الصيانة، وحتّى الاستغناء عنها لفترات من الزمن.»

بعد عام 1954 حول ماسلو انتباهه إلى نوعيّة معينة من الأشخاص الذين يحققون الذات و فتنت هذه النوعيّة ماسلو لمدة طويلة. وتشابه العديد من الأشخاص الذين درسهم مع الصوفيّين التّقليديين، الذين يصفون لحظات غير عاديّة من الفرح والسكينة والجمال والدّهشة. ووجد أنّ مثل هذهِ الخبرات لا تحدث مع قديس واحد كل قرن أو مايزيد من الزمن، لاحظ ماسلو أن خبرات الذروة حدثت في مجموعة واسعة من الأشخاص ويبدو أنّ لها العديد من المحفزات، سواء أكان المحفز أداءً رياضيًّا أو موسيقيًا ممتازًا، أو خبرة إبداعيّة أو إداركًا جماليًّا، أو خبرة حب أو خبرة جنسية، أو خبرة الولادة… أو خبرة دينيّة أو صوفيّة. ويبدو أنّه كلما زادت صحّة الشخص النفسيّة، زاد تواتر مثل هذه الخبرات، وطالت مدّتها وزادت شدّةً ووضوحًا. ألهمت هذه الملاحظات ماسلو لتعميم التجربة و «تجريدها من معناها الديني التقليدي» ويقول كوفمان إنّ هذا الطّريق لم يكن سهلًا على ماسلو الملحد طوال حياته.

وقبل ماسلو تعامل وليام جيمس مع التجارب الصوفية على أنها تجارب إيجابيّة في كتابه الملحمي «تنوعات التجربة الدّينيّة» الصادر عام 1902، إلّا أنّه تحدث عن هذه الخبرات في سياقها الديني. وسوف أتحدث عن هذا الكتاب في الحلقة القادمة.

حاول ماسلو حلّ الثنائيّة التّقليديّة أناني وغير أناني من خلال ما يسميه «الأجر للفضيلة» Virtue pay بمعنى أنّه عندما يكون الناس حقيقيين وهم يقومون بعملهم تكون المكافأة والإشباع، بشكل تلقائي، في إيجاد الهدف أو المعنى. وإنّ أكثر مايرضي هؤلاء هو استخدام إمكاناتهم لإفادة الآخرين من أعضاء الثقافة. وجاء ماسلو بالمفهوم مع مجموعة من الأفكار الجديدة في مجال الإدارة، بدءًا من الحاجة إلى سياسات إداريّة مستنيرة وعلم نفس مبيعات مستنير، وحوافز الموظف واحترام الذّات الصّحي في مكان العمل إلى الإبداع وأساليب التّحسين الإجتماعيّ. وأعْجِب ماسلو بفكرة «التآزر» الّتي أخذها من صديقته روث بنديكت الّتي كانت ملهمة لعمله على تحقيق الذّات، وكانت رائدة في البحث في موضوع تحقيق الذات، ( وهي الّتي نظر إليها ماسلو على أنها شخص تمكن من تحقيق ذاته على أكمل وجه) وأشارت بنديكت إلى ما تسميه «الثقافات التآزريّة» وهي تلك الثقافات الّتي يتم تنظيمها تنظيمًا كاملًا لتعمل على تحقيق المنفعة المتبادلة للفرد والمجتمع الأكبر. وفي هذا السياق يجلب كوفمان مقولة لماسلو كان قام بتسجيلها على شريط كاسيت... يقول ماسلو في هذا التسجيل « إنّ العمل على تحقيق الذّات هو في الوقت نفسه سعي لملء الذّات وتحقيق الغيريّة وهي التعبير الأقصى عن الذّات الحقيقيّة.»

الوعي بالموت يمكن أن يكون نتيجة ثانويّة لقدرتنا المتطورة على الخيال والوعي الذّاتي

عندما انحدر إلى قاعدة هرميّة الحاجات، وتحديدًا الحاجة إلى الأمان وهو يُحتَضَر، فإنّ التناقض الذي واجهه ماسلو هو أنّ هذا الشعور باقتراب الأجل لم يعرقل تسامي الذّات بل أغناه … وحاول الكتاب حل هذا التناقض؛ يجادل الكتاب بأنّ الوعي بفنائنا ينشط خوفنا العميق من اللّايقين، والموت هو اللّايقين النهائي، ويهدد دوامنا وانتسابنا وتواصلنا مع الآخرين (الموت يفصلنا عن الآخرين) ويهدد تقدير الذّات، خاصّة تقديرنا النرجسيَّ للذات.

وعندما يتعلق الأمر بالخوف من الموت فإنّه، وبحسب الكتاب، ثمّة أكثر بكثير من مجرد الخوف من «الفناء المطلق» إنّه الخوف من المجهول؛ الإنقطاع عن الذين نحبهم. فإذا خيّرنا بين العيش بمفردنا إلى الأبد أو الموت قبل الأوان بين الذين نحبهم، يختار معظمنا الموت محاطًا بالأحباء، يجيب كوفمان. إنّ الهلع من الموت لا ينشأ من خوفنا من الفناء في حدّ ذاته، ولكن من كون فكرة الفناء تشكّل تهديدًا شديدًا للاحتياجات الّتي ينشغل بها معظمنا معظم الوقت. والوعي بالموت يمكن أن يكون نتيجة ثانويّة لقدرتنا المتطورة على الخيال والوعي الذّاتي، وفكرة الموت تفعّل الكثير من دفاعاتنا، وتجعلنا نميل لتحويل تركيزنا إلى المخاوف الأكثر إلحاحًا وأنانيّة. لكن كوفمان يجادل بأنّ الأمور لا يجب أن تكون على هذا النحو، وذلك يعتمد على مدى قدرتنا على الخروج من فخ انعدام الأمان. ويتفق كوفمان مع إرفين يالوم الذي قال «على الرغم من أن فيزيائية الموت تدمرنا، فإن فكرة الموت قد تنقذنا» وكان يالوم قد قام بدراسة عدد من الأفراد الذين واجهوا الموت فعلًا، بما في ذلك عمله في العلاج النفسي مع مرضى السرطان الميؤوس من شفائهم، ولاحظ يالوم أنّ التجربة غالبًا ما تكون تحويليّة إلى حد كبير، مما يؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات الحياة، والشعور بالتحرر، وتعزيز الشعور بالحاضر، وتقدير وقبول واضحين للحقائق الأوليّة للحياة، مثل تغير الفصول وسقوط الأوراق عن الأشجار، وتواصل أعمق مع أحبائهم، ومخاوف شخصيّة أقل. وحسب كوفمان، إنّ هذه التحولات ممكنة لأي شخص لديه الفرصة لمواجهة المجهول النهائي (الموت) بشكل متكرر.

يقول كوفمان أنّه عندما غاص في مذكرات ماسلو الشخصيّة المكتوبة خلال السنوات القليلة الأخيرة من حياته، رأى تحوّلًا ملحوظًا في عمق المعنى لدى ماسلو الذي ساعد عليه إدراكه لـ فنائه، إضافة إلى تطور آدميته ككل. وكشفت المذكرات عن رجل يواجه بشكل متزايد تناقضاته وصراعاته الداخلية بأكبر قدر من الأمانة حتّى وفاته. وعلى الرغم من هذه الصراعات الداخلية، كان ماسلو خلال الأشهر الأخيرة من حياته قادرًا على تجاوزها، وقبول الحياة بشروطها الخاصة، ولو للحظات، لإلقاء نظرة على العالم الأكبر المدهش. لدرجة أنّه تصالح مع وجود النقص البشري والشر، ويقول في إحدى المذكرات الّتي كتبها في 28 نيسان/ أبريل 1970 « يجب أن يتحلّى المرء بروح الدعابة في ما يتعلّق بنقاط الضعف البشرية وأن يتوقعها سلفًا فلا يشعر بخيبة أمل عند ظهورها… وأعتقد أن أفضل طريقة لوصف ذلك هي "الواقعية حول الطبيعة البشرية" بالترتيب الواقعي نفسه حول الأشجار أو القطط أو الخيول …. أنا واقعي وأقبل الضعف البشري بدلًا من الحديث عن الخير أو الشر … في النهاية سأضطر إلى التوقف عن استخدام كلمتي "خير" و "شر" سواء مع الأشجار أو النمور، أو حتّى مع البشر.»

يناقش الكتاب كيف مكّن هذا التكامل العميق والقبول ماسلو من الاستفادة بعمق من العالم المتسامي للخبرة بشكل متكرر ومؤثّر أكثر من أي وقتٍ مضى. وقدّم ماسلو مصطلحًا لما كان يمر به هو «خبرة الهضبة» ففي حين أن خبرات الذروة مليئة بالنشوة ولحـظيّة، جادل ماسلو بأنّ خبرات الهضبة أكثر ديمومة وإدراكيّة، وتنطوي على رؤية غير العادي في العادي… وذلك عندما أدرك الأمور من منظور الخلود وأصبح صوفيًّا وشاعريًّا ورمزيًّا بشأن الأشياء العاديّة. وفي هذا مفارقة، يقول ماسلو، لأن هذه الحالة إعجازية، ومع هذا لا ينتج عنها اندفاع لا إرادي. ويعتقد ماسلو بأن خبرات الهضبة أكثر تطوعيّة من خبرات الذروة ويمكن البحث عنها عن قصد، وخبرات الهضبة هي خبرات يمكن تعليمها للآخرين. ( وإذا أردنا تبسيطها بمثال... يمكنني المشي في الطبيعة أو اختيار قراءة كتاب أو الاستماع لكتاب صوتي بدلًا من الذهاب إلى مطعم وجبات سريعة، ما اختبره أثناء المشي أو الاستماع للموسيقى أو القراءة هي غالبًا خبرة ليس فيها لحظات ذروة لكنها ممتدة على عكس تلك الخبرة عندما يسجل فريق نشجعه هدفًا، عندها نصل لاختبار ذروة الابتهاج لكنه سرعان ما يتلاشى ولا يبقى منه الكثير بعد انتهاء المباراة )

يأخذ كوفمان نظريّة قديمة في علم النّفس، النّظرية التي بدت وتبدو للعديد من الأشخاص نظريّة عفى عليها الزمن، ويصنع منها شيئًا جديدًا مستخدمًا أدوات البحث الحديثة ومستندًا على آخر الأبحاث والنظريات في علم النفس والأعصاب والدماغ،. لقد أعاد كوفمان وضع مسألة تحقيق الذات على الطاولة من جديد ولديه أمل كبير في أنها سوف ستستمرّ هذه المرة.

If you want to read more you need to log in. Not a member of this channel, yet? Then register here.

مدونة عمر السعدي linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram