في المعنى

قراءة في كتاب الأسد أو نحرق البلد

قراءة في كتاب " الأسد أو نحرق البلد"لمؤلفه سام داغر
Sign up for my Newsletter
We guarantee 100% privacy. Your information will not be shared.

حافظ الأسد ومصطفى طلاس

يعود الكاتب لـ خمسينيّات القرن الماضي وتحديدًا خريف عام 1952، عندما التقى حافظ الأسد و مصطفى طلاس لأول مرّة في الأكاديميّة العسكريّة في حمص، ويوضح ديناميكية العلاقة بينهما والتي كانت واضحة من البداية، حافظ القائد والعقل ومصطفى صديقه المخلص صاحب الدعابة، وطبعًا العضلات عندما تستدعي الحاجة. وفي تلك الفترة كان الاستقطاب السياسي على أشدّه في سوريا، كان هناك فئة تدفع باتجاه الوحدة مع مصر وواجهت معارضة من أولئك الذين يرغبون بالذهاب شرقًا باتجاه العراق وحلف بغداد المدعوم أمريكيًا وبريطانيًا، وفي الوقت ذاته كان الشيوعيون يزدادون قوة داخل الجيش، وأرادوا ربط سوريا بالاتحاد السوفييتي. وآمن حافظ، مثل معظم الضباط البعثيين، بأن بقاؤهم يعني أن يضعوا كامل بيضهم في سلّة الناصريين، ولكن لحين ، وبشكل خاص بعد ارتفاع شعبية عبد الناصر في أعقاب حرب السويس عام ألف وتسعمائة وستة وخمسين.

في بروباغندا البعث يفترض أن تكون أمريكا العدو، لكن حافظ ومصطفى المتعطشين للسلطة كانا مستعدين للتعاون مع الشيطان للحصول عليها. ويوثق الكتاب أولى اللقاءات التي جمعت مصطفى طلاس بالقنصل الأمريكي في حلب روي أثيرتون عام1957، حيث كان تركيز الأمريكان على وقف تمدد الشيوعيين والناصريين، وحسب الكاتب كانت تلك اللقاءات بمثابة الباب لفتح قناة خلفية مع الأمريكان لعبت دورًا حاسمًا في رحلة صعود حافظ أسد إلى القمّة.

البعثيين و جمال عبد الناصر

بعد الوحدة مع مصر كان البعثيون من بين الأكثر ضغطًا باتجاه الوحدة، معتقدين بأن هذا سوف يحيد معارضيهم في سوريا من جهة ومن جهة أخرى يتحولون إلى شركاء متساوين مع جمال عبد الناصر، ويصف الكاتب علاقة البعثيين بعبد الناصر، بأنها علاقة حسد، حيث مثّل ناصر في ذلك الوقت المخلص بالنسبة لمعظم السوريين. وعندما ظهرت بوادر نهاية تجربة الوحدة، سارع حافظ الأسد بالانضمام إلى لجنة سريّة من الضباط البعثيين في القاهرة لتقييم فرصهم في الاستيلاء على السلطة. ويوثق الكتاب لمحاولة الانقلاب التي قام بها حافظ مع مجموعة من الضباط عام 1962، والتي انتهت بسجنه هو ومصطفى طلاس، وثم تسريحهم من الجيش وتحويل حافظ إلى وظيفة مدنية في اللاذقية. ولكنه استمر بالتواصل والتآمر مع اللجنة السريّة، وفي يوم 8 آذار عام 1963، نجح حافظ ورفاقه بالانقلاب، الذي يسميه البعثيون ثورة آذار، على من سموهم "الانفصاليين"، طبعًا لم يكن البعثيون يرغبون بإعادة الوحدة مع مصر لكنهم أرادوا تقديم أنفسهم على أنهم حماة الوحدة، ليكسبوا بعض الدعم من الشارع وشيئًا من غطاء الشرعية على انقلابهم.

ويتحدث الكاتب عن حماة التي اصطدمت مع النظام منذ البداية، وتحديدًا عام 1964، بعد تمترس مروان حديد ومجموعة من أتباعه في جامع السلطان، وكان مروان ذو توجهات أصولية وعاد لتوه من مصر وكان منزعجًا من طريقة تعاطي الإخوان المسلمين المتسامح مع البعثيين، وقام مصطفى طلاس بأوامر من حافظ الأسد بقصف الجامع ومن ثم اعتقال حديد وثمانية آخرين والحكم عليهم بالإعدام من قبل مصطفى طلاس الذي كان رئيس المحكمة العسكريّة. لم يكن هناك تعاطف ودعم كبير لـ مروان حديد في حماة، لكن عنف النظام وقصف الجامع أثار حفيظة الحمويين. لم تنفّذ أحكام الإعدام بعد تدخّل الرئيس أمين الحافظ وقتها، ولم يعجب قرار العفو حافظ الأسد و مصطفى طلاس، واعتبروه تشجيعًا للآخرين على التمرد. ويعتبر الكاتب أنّ أحداث حماة عام ألف وتسعمائة وأربعة وستين، كشفت خطي الصدع الرئيسيين، الدين والطبقة، وبنظر الكاتب، سوف ترتكز عليهما كلّ الصراعات المستقبليّة في سوريا. فمن جهة كانت الأغلبية السنية المحافظة بشكل عام ضد النظام العَلماني و بنظرها كان النظام نظام تقوده أقلية ملحدة، ومن جهة ثانية كانت هناك النخب الحضريّة والعائلات البارزة مقابل رواد الريف المتواضعين، مثل الأسد وطلاس، الذين استولوا على السلطة.
يمر الكتاب على هزيمة الـ 67 وكيف بدأ حافظ الأسد بالتغدي برفاقه قبل أن يتعشّوا به، فقد كان حافظ وزير الدفاع ويفترض أن يكون أول شخص يتعرض للمسائلة بعد الهزيمة. وكان سليم حاطوم وبدر جمعة أول الرفاق الذين تعرضوا للتعذيب على يد مصطفى طلاس ثم إعدامهما بقرار من المحكمة العسكرية التي يرأسها طلاس نفسه. ويوثق الكاتب أيضًا اللقاءات التي بدأها حافظ مع المسؤولين السوفييت في سوريا عام 1968.

وبعد أن حمّلت قيادة الحزب حافظ الأسد مسؤولية الهزيمة، قام حافظ الأسد و مصطفى طلاس بالانقلاب على صلاح جديد عام ألف وتسعمائة وسبعين. وبدلًا من مواجهة محاكمة حزبيّة كانت ستنهي مستقبل حافظ الأسد السياسي وربما حياته، بات حافظ الأسد ومصطفى طلاس في قمة السلطة التي كانا يتآمران ويقتلان من أجلها لما يزيد على 15 سنة.

يذكّر الكاتب بالانتفاضات ضدّ الأب في السبعينيّات والثمانينّيات، ويحاول إثبات التشابه بين طبيعة الاحتجاجات وخلفيات المحتجين في ذلك الوقت مع ما حدث عام2011. في عام 1977 وبعد سبع سنوات من استيلاء حافظ الأسد على السلطة اندلعت احتجاجات ضد طغيان الأسد، وكان قوامها بشكل أساسي من الطلاب وأساتذة الجامعات والمحامين والمهندسين، بالإضافة لبعض السلفيين الإسلاميين، وتركزت بشكل خاص في حمص وحماة، لكن بالنسبة لحافظ الأسد كان الجميع إرهابيين ولا يهم إذا كنت متظاهرًا سلميًّا أم مسلحًا إسلاميًا، وكانت النتيجة عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين السوريين. ويرى الكاتب بأن الأبن في عام ألفين وأحد عشر قام بقراءة كتيب الأب بعناية واتبع خطواته خطوة خطوة.

علاقة نظام الأسد مع الإرهاب

يتحدث الكاتب عن علاقة النظام بالإرهاب، ويناقش كيف أن أبو بكر البغدادي هو إنتاج النظام السوري الفاسد والقمعي، وإنتاج نظام صدام حسين، والغزو الأمريكي للعراق الذي ارتكب الخطأ تلو الآخر منذ لحظة دخوله العراق. ففي العام ألفين وثلاثة وصل الجهاديون من كل مكان في أوروبا ومن شمال إفريقيا إلى دمشق، وقادتهم أجهزة المخابرات السوريّة إلى الحدود العراقية وقالت إنّ العراق هناك وعليكم قتل الكفار الأمريكان، وأقام النظام السوري معسكرات تدريب على الحدود بين العراق وسوريا لتدريب الجهاديين. و رغم أنّ هذه المعلومات يعرفها الجميع وتمّ كتابة مئات التقارير عن الموضوع، ورغم معرفة الغرب والأمريكيين بأن النظام يستعمل الإرهاب كورقة مفاوضات، عادوا لمفاوضة النظام الذي كان لديه الصندوق الأسود عن الجهاديين والتنظيمات الإرهابية، ولديه أيضًا كنز ثمين من الذين عادوا من العراق و أودعهم سجن صيدنايا لاستخدامهم في اللحظات العصيبة على النظام، كـ لحظة عام ألفين وأحد عشر ، عندما انتفض السوريون مطالبين بحريتهم سارع النظام لإطلاق سراح المتشددين الجهاديين، وكان يعرف تمامًا أنّ الخطوة التالية التي سوف يخطوها هؤلاء هي حمل السلاح.

وثبت أن ورقة الإرهاب التي لعبها النظام كانت حاسمة في حربه على السوريين، ففي عام ألفين وأحد عشر غصّت شبكة الإنترنت بصور وفيديوهات مظاهرات السوريين السلمية، وبصور الضحايا وفيديوهات القتل والتعذيب بحق المتظاهرين السلميين، لكنّ العالم سرعان ما نسي كلّ هذا وأدار عنه الطرف ولم يعد يرى غير داعش والنصرة. ويرى الكاتب أنّ هذه الإستراتيجية هي علّة السياسة الغربية في التعاطي مع نظام الأسد وغيره من أنظمة المنطقة، فهم دائمًا يقبلون التفاوض معه على هذه الورقة، في سوريا وفي العراق، وقبلها في لبنان، فبعد كل نشاطات النظام الإرهابية خلال الحرب الأهليّة اللبنانية التي استهدفت الدبلوماسيين والجنود والصحفيين الغربيين، جاء الجميع ليبارك الوجود السوري في لبنان. وبعد اغتيال النظام السوري لرفيق الحريري وسلسلة التفجيرات الدموية التي استهدفت المعارضين للوجود السوري وحزب الله، بدا وكأن الفرنسيين والأمريكيين قد تعلموا الدرس، لكن التاريخ كرر نفسه وعاد الجميع للتفاوض مع نظام الأسد وبدأ المسؤولون الفرنسيون والأمريكيون بالعودة إلى دمشق. وأرسلت إدارة أوباما نانسي بيلوسي وجون كيري لفتح قنوات حوار مع الأسد. ويصف الكاتب هذه الاستراتيجية بأنها تتعامل مع الأعراض، مثل داعش وغيرها، و تتحايد البحث في جذور المشكلة التي تكمن في غياب المحاسبة والعدالة الاجتماعية، وفي الفساد وقمع الحريات في المنطقة العربية.
الكتاب من الحجم الكبير، أربعمائة وستين صفحة توثق لما يزيد عن نصف قرن من تاريخ سوريا التي كانت ولسوء حظ السوريين "سوريا الأسد"، وكيف اصطدمت كلّ محاولة لإزاحة صفة الأسد عن سوريا برد فعلٍ وحشي من عائلة الأسد التي قررت ابتلاع سوريا….

ويفترض الكاتب حالة من الصراع بين جيلين برزت في عالم ألفين وأحد عشر، بين جيل الشباب السوري، الذي رأى في الربيع العربي أملًا ووعدًا بالتغيير وفرصة سانحة للثورة بوجه الطغيان وبناء دولة مدنية ديمقراطية تكون الضامن لمستقبلهم، وبين جيل كبار السن الذي كان مؤمنًا بأن النظام في سوريا مختلف عن بقيّة الأنظمة الاستبدادية التي أسقطتها مظاهرات الشباب العربي في تونس ومصر، بشكل عام، آمن الجيل الأكبر سنًا من السوريين، الذي اختبر عنف ووحشية النظام في السبعينات والثمانينات، بأنّ النظام السوري لن يستجيب لمطالب الشارع، وسوف يتمسك بالسلطة ويقتل ويدمّر كلّ من يقف في طريقه وتحت غطاء إقليمي ودولي. ويجلب الكاتب الحوار الذي دار بين سالي المسالمة، التي كانت ناشطة في مظاهرات درعا عام ألفين وأحد عشر، ووالدها الذي كان يحاول منعها من الخروج من المنزل خوفًا على حياتها وحياة الشباب المتفائل بإمكانية التغيير، فقد كان والد سالي على قناعة بأن النظام سوف يحرق سوريا وأهلها قبل أن يسمح لأحد بتهديد قبضته على السلطة.
لا أحد ينكر أنّ المال والمكاسب الاقتصاديّة هي أشياء مهمة ويضعها المستبدين والطغاة على سلّم الأولويات، ومع هذا ليست العامل الأساسي الذي يدفع بالمستبد للتشبث بالسلطة إلى النهاية وتبرير كل وسيلة بغاية الحفاظ عليها، ولو كان المال والذهب والنفط والامتيازات الاقتصاديّة هو كل ما يريده الزعيم من السلطة لكنّا بخير…واقنعنا رأس النظام بأن يغادر سوريا مع مبلغ من المال كما اقتنع عمّه رفعت وخرج من سوريا بمبلغ 200 مليون دولار طلبها حافظ وقتها من معمر القذافي … … اعتقد نحن متفقون على أنّ الدولة هي المحتكر الشرعي لوسائل العنف، ولكن عندما يتم الاستيلاء على الدولة من قبل زعيم لديه أعراض اضطراب الشخصيّة النرجسيّة، من المرجح أن تكون النتائج ذات تكاليف كارثيّة.

صحيح أنّ الإبن سرّ أبيه، لكنّ شخصية رأس النظام الذي ورث السلطة عام ألفين هي شخصيّة تعاني النرجسية وجنون العظمى المترافقين مع القطع الكامل مع الإحساسات وأي شكل من أشكال التعاطف، وتتصور هذه الشخصية العالم بأنه عالم يتآمر عليها. وهذا العالم المتآمر من جهة والانفصال عن الإحساسات والتعاطف يجعل أي سلوك من التوحش والكذب والتآمر ضدّ من يشكل تهديدًا لتلك الصورة الذاتيّة سلوكًا مبررًا. وكلما كان السلوك أكثر توحشًا تعقدت حبكة المؤامرة وخيوطها المتخيلة عن وعي وغير وعي لتتناسب مع حجم التوحش. صحيح أنّ الإبن استخدم ذات التكتيكات التي استخدمها الأب من قبل، لكنّ حجم الدمار والقتل والتحطيم للإنسان والمجتمع الذي حدث ومازال يحدث على يد الإبن يفوق بمئات وربما ألاف المرات حجم ما فعله الأب. وهو يريد أن يقول أنا لست ضعيفًا ومجرد ظلّ لوالدي الذي ورّثني السلطة بالصدفة عام ألفين، بل أنا قوي وأقوى منه، واستحق هذه السلطة وانظروا ما الذي استطيع فعله.

If you want to read more you need to log in. Not a member of this channel, yet? Then register here.

مدونة عمر السعدي linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram