نص عمر السعدي

عندما كنا أطفالًا تسمّر العديد منّا أمام رفوف الألعاب في المحلّات وبكوا توسّلًا لشراء لعبة حربيّة، بندقيّة آلية أو طائرةً مقاتلة أو دمى بلاستيكية على شكل جنود. وفي فترة المراهقة تخيّلنا أنفسنا نحلّق بطائرة مقاتلة أو نقود دبّابة ونهاجم العدوّ ونضحِّي من أجل وطننا. لقد ألهب كلّ ما من حولنا هذه التخيّلات، الخطابات في المدرسة، وقصص البطولات الّتي سمعناها من الأهل والجيران وتقمّص أطفال الحيّ شخصيّات أبطالها في ألعابهم. وأينما توجّهت سيصادفك نصبٌ تذكاريّ أو قبرُ شهيد، وزيارات ورحلات سنويّة لمقابر الشهداء الّذين ماتوا جميعهم باسم الوطن، مؤمنين بأنّ الحروب الّتي خاضوها كانت ضروريّة وعادلة.

أثناء البحث عن جوابٍ لسؤال ما الّذي يدفع الشّخص للتّضحية من أجل الآخرين، يجب أن نضع في الحسبان أنّ الغيريّة لا تنحصر بسلوك التّضحية بالحياة في سبيل المجموعة. ولو أنّ فهم الغيريّة يتوقّف على  تفسير سلوك التّضحية بالحياة، فربّما يكون لدينا إجابات مدعّمة بآخر ما توصّل إليه علم النفس، وعلوم الدّماغ والأعصاب والأنثروبولوجيا من استنتاجات. 

يصف البعض الكاميكازي بالنّحل الياباني، وهو توصيف يجانب الصّواب من حيث قوّة الغيريّة في سلوك النّحل، لكنّ النّحلة الّتي تدافع عن خليّتها لا تملك خيارًا آخر، وهي عندما تلسع المتطفّل على الخليّة، سواءٌ كان حشرةً أو دبًّا أو إنسانًا يقطف محصول العسل، ثمّ تتحرّك بعيدًا، فإنّ جزءًا من جسدها يبقى ملتصقًا بجلد ذلك المتطفّل وتذهب إلى موتٍ محتوم. إنّ النّحل “مبرمجٌ” على اختيار ذوي القربى، الأخوة والأخوات في مجتمع النّحل، وهذا الاختيار ينسجم مع قوانين حفظ بقاء وتكاثر المجموعة ككل على حساب الأفراد. و يمكن ملاحظة أشكالٍ مختلفةٍ من السلوك االغيريّ عند طيفٍ واسعٍ من الكائنات الحيّة. ويعتبر الشمبانزي من أكثر الثدييّات إيثارًا، بعد الإنسان، والإيثار عند الشمبانزي يكون في الغالب محصورًا في مشاركة الطّعام بين الأفراد الّذين تجمعهم روابط قربى قويّة ضمن المجموعة؛ الأم وأطفالها وربّما بعض الأصدقاء الّذين يقدّمون نوعًا من المساعدة مثل الاهتمام بالصغار والحصول على الطّعام. لكنّ البشر هم النّوع الوحيد ضمن الثدييّات الّذين يختارون عن وعيٍ الشّكل الأكثر تطرّفًا للغيريّة، وهو التّضحية بالحياة. وهذه التّضحية لا تقتصر على التّضحية من أجل الأفراد الّذين تربطنا بهم علاقات قربى، كالأم والأب والزّوجان والبنات والبنين، بل تمتدّ إلى التّضحية من أجل أشخاص غرباء تمامًأ، لا لشيءٍ عدى أنّهم ينتمون إلى ذات المجموعة الإثنيّة  أو الدينيّة أو السياسيّة.  إنّ أفضل ما لدى البشر من معرفة اليوم، يشير إلى أنّ مليونين وخمسمائة ألف سنة من تاريخ الإنسان البيولوجيّ، كانت تاريخ الأسرة النوويّة قبل هيمنة العنصر الاجتماعيّ. وهذا يجعل افتراض أساسٍ بيولوجيّ للغيريّة، يتمثّل في الاستعداد الجينيّ، افتراضًا منطقيًّا. لكن على الرّغم من كون العواطف البشريّة هي انبثاقٌ جينيٌّ، إلّا أنّ ما طرأ على الغيريّة خلال السيرورة الاجتماعيّة، من حيث الشّدة والامتداد، لتتجاوز حدود رابطة الدّم، هو في جزئه الأعظم نتاج ثقافيّ.  
  
في ورقة بحثيّة نشرتها مجلّة (ناتشر) Nature،خلص الباحثون، الّذين قاموا بدراسة 217 نوعًا من الرئيسيّات،  إلى أنّ البشر فقط لديهم المرونة للعيش في مجموعة من البيئات الاجتماعيّة المختلفة والمعقّدة. لقد عاش البشر على مرّ التّاريخ  في مجتمعات، منها القائم على الزّواج الأحاديّ وأخرى على تعدّد الزّوجات، وانتقلوا من الأسرة النوويّة إلى الهياكل الاجتماعيّة المعقّدة للمجتمع الإنسانيّ بمعناه الأوسع، الشيء الّذي لم يكن من الممكن تحقيقه من دون الغيريّة والتّعاطف، بين من هم خارج حدود دائرة الأقرباء المباشرين. لكنّ تلك العواطف الّتي نشعر بها تجاه من لا تربطنا بهم علاقات قربى مباشرة، هي عواطف متبدّلة و انتقائيّة وتسير في مسارات قنّتها الثقافة. ولو أنّ عواطف البشر الإيثاريّة تجاه من لا تربطنا بهم علاقات قربى مباشرة، هي عواطف ثابتة لا تتزحزح، لما كنّا شعرنا بالحاجة لمراقبة بعضنا البعض والتوجّس من أن تتغلب عواطف الجّشع والأنانيّة، ويستغل شخص ما سلطته/ها من أجل تحقيق مصالح شخصيّة.  إنّ شعارات الأخوة في القوميّة أو الدّين أو الإثنيّة، وشعار الأب القائد أو الأخ الأكبر، هي كلها استعارات يراد منها النفث في عواطف الغيريّة، والقول للنّاس بأنّ علاقة السّلطة بهم هي علاقة بطريركيّة، يقرر فيها الأب وما على الأبناء إلا الثّقة بقراراته وتنفيذها لأنّه “يعرف مصلحتهم أكثر منهم”. لكنّ الواقع يقول، إنّ الكاميكازي ليسوا نحلًا والمجتمع ليس أسرة.

إنّ التّعاطف مع الآخرين انتقائيّ، ويخدم على الأغلب شكلًا من أشكال المصلحة الذاتيّة. ودائمًا كان التّعاطف والغيريّة أداتين من أدوات السياسة، وكان مبدأ توقّع المعاملة بالمثل من الآخرين ضمن المجموعة هو مفتاح الاجتماع البشري. حتّى أولئك الأشخاص الّذين يذهبون بالغيريّة إلى أقصى درجاتها، فهم لا يتوقّعون من موتهم أن يكون حالة من العدميّة كموت النّحل، بل ثمّة نوعًا من المكافأة على هذا الموت، جنّة أو فردوسًا أو خلودًا من خلال “روح الأمّة أو المجتمع”. بينما لا تنتظر النّحلة مجدًا وخلودًا لروح أمّة النّحل، أو نياشينًا ونصبًا تذكاريّة كمقابلٍ على تضحيتها.  إنّ الإنسان الذي يقدم على التّضحية بالحياة، هو شخص منصهر بالمجموع من خلال إيمانه/ها بجوهر مشترك يجمعه/ها مع أفراد مجموعته/ها الدينيّة أو الإثنيّة أو القوميّة، ويمسي موته/ها حياةً لهذا الجوهر. 

في الأديان التوحيديّة الثلاثة، يعتبر العطاء دون انتظار ثواب أو مقابل هو السلوك الأكثر إجلالًا ويتم تشجيعه لكي يتكرّر لدى الآخرين، لكنّ المبدأ الذي يقوم عليه هذا السّلوك الإيثاريّ ليس مبدأ المحبّة العالميّة، بل مبدأ تضحية الإنسان من أجل نصرة مجموعة دينيّة على أخرى.  إنّ ما تدعو إليه الأديان من تراحم وإيثار، هو في النهاية تشجيع للسّلوك الإيثاريّ والتعاطف مع الأفراد المنتمين لذات المجموعة الدينيّة. ونجد في القرآن العديد من الآيات التي لا تتحدث عن تفوق المسلمين على بقية المجموعات الإنسانية فحسب، بل توعّدت من هم خارج الإسلام بجهنم وبئس المصير. في سورة البقرة: “ووصَّىٰ بِها إِبراهِيمُ بَنِيهِ وَيعقوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّه اصطَفَىٰ لَكمُ الدِّين فلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتم مسلِمُونَ (132) أم كنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حضَرَ يعقوبَ الموتُ إِذ قالَ لِبَنِيهِ مَا تَعبُدونَ مِن بعدِي قَالوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبراهِيمَ وإسماعيلَ وإسحقَ إِلَهًا وَاحِدًا ونحنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”. وفي سورة الفتح “ومن لم يُؤْمِن باللّهِ ورسولهِ فَإِنَّا أَعتَدْنَا للكَافرينَ سَعِيرًا” ( 13). طبعًا هذا لا يقتصر على الإسلام، ففي الإصحاح 16 : يقول عيسى “اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن” . لقد احتضن كلّ من الإسلام والمسيحيّة والبوذيّة مبدأ المحبّة العالميّة، كأداة لشنّ الحروب الّتي تمّ تبريرها عن طريق التّفسيرات الدينيّة والسياسيّة.

لقد اعتبر العرب القضيّة الفلسطينيّة قضيّتهم الأولى لأكثر من سبعة عقودٍ، ونال “الأشقاء” الفلسطينيّين هيلًا من التعاطف مع قضيّتهم، ليس من العرب فحسب، بل من معظم حركات اليسار وثورات التّحرر من الاستعمار على مستوى العالم، لكنّ هذا التعاطف كان مشروطًا، فليس كلّ ظلمٍ يقع على الفلسطينيين هو ظلمٌ يستحقّ الإدانة والسّعار القوميّ والدّيني والوطني، فعندما ارتكبت المجازر بحقّ الفلسطينيّين، على أيدي العرب أنفسهم مثل حافظ الأسد وابنه بشار، لم ينل الفلسطينيّون ما يستحقّ الذكر من التّعاطف. وإذا أخذنا عدد “الأشقاء” السوريين الذين قتلوا واختفوا واعتقلوا وشردوا على يد ” سلالة الأسد” و “آيات الله” والروس، نجد أنّ الأرقام تتجاوز ، وربما بأضعاف، أعداد ضحايا الاحتلال الإسرائيلي من الفلسطينييّن وبقيّة العرب، ومع هذا لم ينل الضّحايا السّوريون ذات التّعاطف من رافعي شعارات “العروبة والمقاومة”، الّذين لم يكتفوا بالسّكوت على الجّرائم، بل تحالفوا  مع القاتل. وبات تكلّم العربيّة الفصحى حسب “عتاة العروبة”، من الّذين لم يتوقّفوا حتّى اليوم عن النواح على موت صدام حسين، سببًا كافيًا لاعتبار الشّخص من “سلالة الرسول”، حتّى لو كان إرهابيًّا إيرانيًّا يقتل العرب في العراق و وسوريا ولبنان واليمن .   

و عواطف “الأخوّة الإسلامية” ليست أقلّ نفاقًا من عواطف “الأخوّة العربية”.  لقد توجّه الأصوليّون الإسلاميّون من كل بقاع الأرض تلبيةً لدعوة الجّهاد ونصرةً ” لأخوتهم” الأفغان في مواجهة الاحتلال الرّوسي في ثمانينيّات القرن الماضي، و الاحتلال الأميركي بعد العام 2000. ثم باتت العراق أرض الجهاد، ثم سوريا واليمن وليبيا. ولنا أن نسأل، لماذا لم تتحرك عواطف نصرة المظلوم والغيريّة الدينيّة عندما بدأت باكستان حربها على بنغلادش في آذار/مارس عام 1971؟. مع العلم أنّه خلال تلك الحرب، الّتي أطلقت عليها باكستان اسم (عمليّة الكشاف) و استمرت تسعة أشهر، قتل ما بين 300 ألف و 3 ملايين مسلم بنغالي، واغتُصبت ما بين 200 ألف و 400 ألف امرأة مسلمة بنغالية، وفقًا للإحصاءات البنغلاديشية والهندية. ولم نشاهد السّاحات تشتعل غضبًا وتحرق الأعلام، عندما أقرّت الهند قانونًا مثيرًا للجدل، وقد يؤدّي تطبيقه إلى تجريد حوالي المليون مسلم من الجنسيّة الهنديّة. ولا عندما  ارتكبت المجازر بحقّ مسلمي أركان واضطهد الروهينغا المسلمون في ميانمار. ولم ينل ضحايا معسكرات الاعتقال الجماعي التي تحتجز فيها الصين ما يزيد عن مليون مسلم من الإيغور، مشاعر التّعاطف والتّضامن الّتي نالها معتقلوا معتقل غوانتانامو  السيّئ السمعة. مع العلم أنّ أميركا اعتقلت ما مجموعه 779 شخصًا خارج نطاق القضاء في معتقل غوانتانامو في كوبا منذ افتتح المعتقل في عام 2002، وانخفض العدد إلى 160 تقريبًا في عام  2013. وفي 17 كانون ثاني/يناير 2017 أعلنت أميركا أنها ما زالت تعتقل 41 معتقلًا في غوانتانامو. وفي أيار/مايو 2018 تم إعادة المعتقل هزاع الدربي إلى السعودية ليصبح العدد 40 معتقلًا.

في عام 1976 قدّم عالم الأحياء والمختص بعلم الاجتماع الحيويّ sociobiology إدوارد أوسبورن ويلسون، رأيًا متفائلًا بالإيثار البشريّ، والّذي يتّفق إلى حدّ بعيد مع فرضيّة داروين في كتاب (أَصل الإنسان) حول انتقاء المجموعة Group selection. يرى ويلسون أن هناك شكلين من الإيثار: إيثار صلب النّواة، ويخدم أقرب الأقرباء، وينخفض بشكلٍ حادّ، في التّواتر والشدّة، كلّما أصبحت العلاقات أبعد. بالمقابل، الإيثار اللّين النّواة هو إيثار أنانيّ، وفي هذا الشّكل من الإيثار، يتوقّع الشّخص الإيثاريّ مقابلًا يحصل أو تحصل عليه من المجتمع، سواء له/ها بشكل مباشر أو أقرب المقرّبين منه/ها. ومن وجهة نظر ويلسون، فإنّ هذه الأنانيّة هي مبعثٌ للتفاؤل، فالبشر لديهم ما يكفي من الأنانيّة ومهارات الحساب، ليكونوا قادرين على تحقيق المزيد من من الإنسجام والتوازن الاجتماعيّ إلى أجل غير مسمّى. ويعتقد ويلسون إنّه لو كان الإيثار جامدًا أحاديّ الجانب سيكون من المستحيل كسر خطوط الولاء، الّتي تجمع الأقارب و الإثنيات، وسيتوقّف التغيير الثقافي في زخمها. و هذا بالنهاية لن يخدم الفرد ولا المصلحة الوطنيّة. 

يتمسّك البشر بقواعد الشّرف الخاصة بهم لكنهم متقلّبون عندما يتعلق الأمر بتحديد من تنطبق عليهم هذه القواعد. نحن خبراء في التصنيف والتقسيم لرسم الحدود بين “النحن و الهم”. مسلمون وكفار، مقاومون ومهادنون، معارضون وموالون، وطبعًا ” النحن والهم” ليست حكرًا على حقول السياسة والدين، وهي حاضرة في كلّ تفاصيل الحياة، من قَصّة الشَّعر واللّباس إلى الرياضة وليس انتهاء ببرنامج (ذا فويس). اتّصلت مرةً بصديق، لأسأله إذا كان يرغب بصحبتي لزيارة أحد الأصدقاء المشتركين، اعتذر الصديق وقال ” آسف لدى فريقنا مباراة مهمة اليوم ولا أستطيع الخروج”، فريقكم؟، سألت، هل انتسبت لفريق كرة قدم؟ لا لا، أجاب، “ما قصدت قوله هو أن فريق ريال مدريد يلعب اليوم مباراة مهمّة وحسّاسة”.  إنّ الآليّة الّتي نقوم من خلالها بتقسيم بعضنا بين ” النحن والهم” ، هي ميزة تطوريّة لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على البقاء. حيث عاش إنسان الإرهاصات المجتمعية الأولى في مجموعات، لم يتجاوز عدد أفرادها 150 فردًا، وكانت مغادرة الشخص لناسه والبحث عن مجموعة جديدة بمثابة عمليّةٍ انتحاريّة. لقد كان أسلافنا حكماءً عندما لم يثقوا بالجّماعات الخارجيّة و تعاملوا بحذر مع الغرباء، وتعيّنت هويّة الناس بمجموعات داخليّة تعجب بالعمل الجّماعي والشّجاعة والتّضحية، وتشارك في غبطة النّصر، ومستعدّة دائمًا لكسر التّحالفات واعادة تشكيلها.

  إنّ “النحن والهم” وتقسيم العالم إلى عالم قريب وعالم بعيد، هي إجابات بسيطة على أسئلة معقدة، لكنّها كانت مفيدة و لآلاف الأجيال.  في التّراث البدويّ يوجد شيء إسمه (البوّ)، و البوُّ هو إبن النّاقة الميت، والّذي يحشى بالتّبن بعد تفريغ أحشائه، ويوضع مع النّاقة الثّكلى من أجل تحريض عواطفها وجعلها تدرّ الحليب.  لا شكّ في أنّنا أكثر تعقيدًا من الجمال ومن النّحل، رغم أنّنا جميعًا لدينا استجابات تلقائيّة تحكمها قوانين البيولوجيا العمياء عن الصواب والخطأ بالمعنى العقلي، والّتي تتوجّه بالمفيد في عمليّة البقاء وتمرير الجينات. لكنّنا نمتلك ما لا يمتلكه الجمل ولا  النّحل، ولا أيّ كائنٍ حيّ، بحدود معرفتنا. نحن لدينا الإدراك والاعتقادات التي تحرّض عواطفنا وتضخّمها وتوجّهها، وترسم حدود “مجالها الحيويّ”. والاعتقادات تتفوق على (البوّ) وعلى كلّ العمليات البيولوجيّة التلقائيّة. إنّ الاعتقاد هو الذّي جعل علي بن أبي طالب ينام في فراش الرّسول في ليلة المبيت، وجعل عطيل يقتل زوجته الحبيبة.  قال هيوم يومًا “العقل عبد للعاطفة”. لاشك في أنّ البيولوجيا تمسك برسن الثّقافة ولا مجال للفكاك، طالما بقي العقل انبثاقًا بيولوجيًّا، لكن الرسن طويل جدًا، وكلّما اقتربنا من التفكير العقلي كلّما ابتعدنا عن الحالة البيولوجيّة. لا جدال في أنّ الاختيار العقلي يصبح معقّدًا عندما يتطلّب الأمر التّخلي عن أشياءٍ اختارتها قلوبنا، لكنّنا عندما نصرّ على الاعتماد على حدسنا العاطفيّ البيولوجيّ في اختيار المبادئ والمعتقدات، فإنّنا لن نختار إلّا ما يكرّس التركيبات الاجتماعيّة البدائيّة.

إنّ نسبيّة الصّواب والاحتماليّة الّتي تحكم كلّ نظريّة بشريّة، مهما اقتربت من الحقيقة والكمال، لا تعني بحال من الأحوال استحالة المفاضلة بين أسلوب حياة وآخر وبين نظريّة وأخرى، وبين معتقد وآخر. منذ فجر الاجتماع البشري، كلّما أصاب البشر مرّة أخطأوا في المقابل آلاف المرّات، ويذهب البعض إلى أنّ التاريخ البشريّ تحكمه الحماقة أكثر ممّا تحكمه الحكمة. لكنّنا، ورغم كلّ حماقاتنا، الكائنات الوحيدة الّتي تمكّنت من تشييد هياكل ثقافيّة حولتنا عبر الزمن من مجرد كائنات حيّة تعيش على هامش السّلسلة الغذائيّة،  محكومة بقوانين التّطور الطبيعيّ، إلى كائنات أعادت تشكيل تطورها و تسيّدت كوكب الأرض بلا منازع.